**
كلمة: الدكتور ناصر حميد المبارك **
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمدٍ وآله الطاهرين وبعد
فإنه يُشرفني أن أقف مؤبناً لرجلٍ فاضل شريف بذل حياته في خدمة أهل البيت عليهم السلام وأنفق لياليه وأيامه منافحاً عن قضيتهم ومدافعاً عن حقهم وناشراً لضلامتهم ومُحيياً لأمرهم وداعياً إلى الله بالحكمة والموعضة الحسنة.
إن الفقيـد رحمه الله يُمثل بالنسبة لــي وللكثيرين غيري من أبناء جيلي ومن سبقهم ومن لحقهم, يُمثـل لنا جميعـاً الصورة المثالية لخطيب المنبـر الحسيني وهو وِفق قــانون الإشتراط النفسي يقفــز إلى أذهاننا كُلمــا ذُكِر المنبر ذلك لأننا تفتحت أذهاننا ووعينا في المـأتم فرأيناه خطيبه المفوه وفارسه المُجلي فارتبط في أذهــاننا بالحسين عليه الســلام وبالمنبر, ولم يكن هذا التقـدم وهذا البروز ناجمــاً عن فراغٍ وعن تصنع فكُلنا عرفنــاه (يرحمه الله) بالبســاطة وبالتلقائية لا تجــد فرقاً بين حديثه على المنبـر أمام الحشود وبين حديــثه معك منفـرداً بل تجـده على المنبر يوجه خطابه إليك شخصيـاً وكـلٌ منا يشعر أنه لا يوجد من يقصـده بالكــلام سواه بل تجده يُركز عليك النظر ويُخاطبك كـــأنك تجلس وحــدك أمـامه, ولسـت في مقام بيان قدراته الخطــابية وثِقته بنفسه وتملكـــه لناصية الخِطــابة وسيطرته علـى مجلسه وقُدرتـه على شَد المستمعين وحُسـن تخلصه وإنتقاله من موضوعٍ إلى آخــر ولا قُدرته على التصوير والتأثير ولا حِفظه المميــز للشعــر فصيحه وعاميه ولا تمكنه من الإستشهـــاد بالنصوص الـروائية لاسيما خِطب أمير المؤمنين عليه الســلام حتى حفظنا بضله عـددا مــن تِلك الخِطــب قبل قرائتها في مصادرها ولا أُريد أن أقف عند إطلاعه علــى آداب العرب وتُراثها وتاريخ الجاهلية والإسلام مما كــان يُسهب تفصيلاته كأنه
كــان في كل قضيةٍ عاشهــا وتَمثل أشخاصهـا ولا مجـال هنا إلمامه بموضوعه الأساس وقضيته الكُبرى وهي قضية أهـل البيت عليهم السـلام بعامة وقضية الإمـام الحسين بخاصة, فــإن كُل ذلك ثابتٌ عندي وعندكــم بالوجدان والتجربة المبـاشرة والشخصية لكل واحدٍ منــا, ولكني أريـــد أن أقف عنـد قضيتين أراهمــا مهمتين لأنهما مـن صلب القضية التي نافح عنهـا الفقيد وهُمــا من أبرز خصـائص خطابته (رحمه الله) إحــداهما تتعلق بالشكل والأخـرى تتعلق بالمضمون.
أُولاهمـا أنه (يرحمه الله) لم يكـن ظاهرةً صوتية وهو لم يعتمــد على صوته في التــأثير على الناس فالكثيرمن النـاس بما فيهم هو (يرحمه الله) يرَوّن أن صـوته كـان عادياً جــداً لكنه بالمقابـل كان يُركـز على مضمون الخِطــابة وقدرته على التــأثير والصِدق في الخطــاب, فلم يكــن بـروزه إذاً بروزاً تافهـاً أو بروزاً معتمــداً على امرٍ لا فضــل له فيه _ والفضــل لله أولاً وآخراً_ ,بــل كـان تقدمه معتمداً على مكتسبـاتٍ ومهـاراتٍ وقُدراتٍ تكشف عن ذكـاءٍ وعِلمٍ وصِدق, فهو على الرغم من بساطته في الحديث وبُعده عن التكلف إلا إن اسلوبه بعيدُ المنــال صَعب المرتقى ولعــل هذه البســاطة وهذا الصِدق والإبتعادِ عن التكلف من أهم مميـزاته الخِطابية التـي جمعت تحت منبره الصغيرَ والكبير والجاهل والمتعلم.
أما القضية الثانية التي أُريد أن أقف عندهــا وهي أهم من الأُولى وهــي أنه (رحمه الله) كــان في خِطابته يَتسمُ بأمرٍ مُهــم وهو النَقاء بأجلى أطواره, فهــو مع نقاء خِطابته من الأخطاء اللغوية والعيوب الخِطابية كان طَرحه _وهـذا هو الأهم_ مؤتمناً موثوقـا, فلا تخشى منه التَخرص في العقائد والتفسيرات المتكلـفة أو القــائمة على الموضـات الفِكرية التي تلبسُ في كُل يومٍ لَبوسا. إن قضية الحُسين عليه السلام _بل قضية الإسـلام كُله_ تخضع عنـد كثيرين بإسقاطــاتٍ نفسيةٍ وإجتمـاعيةٍ وثقافية يفسـرون بها التـاريخ والديـن بحسب أمزجتهم فيهـا فيجعلون من النبي صلـى الله عليه وآله وسلــم أو أمــير المؤمنين عليه السـلام أو الحسن والحسين أو غيرهم من أهل البيت عليهم السلام قوميين في زمــن القومية وإشتراكيين في زمـــن الإشتــراكية وديمقــراطيين في زمـن الديمقــراطية وعلمـــانيين في زمن العلمانية وقادةً ثوريــين في زمـن الإنقلابات حتى قال بعض الشُعراء عـن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الإشتراكيـون أنت إمامهم • لولا دعوى القوم والغلواءُ)!, وقــال آخرٌ عــن علي عليه السلام: "لـو جِئت اليــوم لحاربك الداعــون إليك وسمـوك شيوعيــا", فيسقطون مراهقاتهـــم الفِكـرية على الإسـلام وشخصياته ويجعلـــون منـه الإنموذج الذي هُــم يطمحون إليه أو ليسترضــوا بذلك أصحــاب تِلك الثقــافات التي يكونُ لهــا ظهورٌ وإنتشـار في بعض الأوقـات, وقضيــة الحسين عليه السلام لهـا نصيبُ الأسد من هــذه التأويلات والإسقاطات حتى أخرجوه من ثوبه وجعلـوه رمزاً لكٌلِ ثائــر ومثالاً لكُل مناضـل مهما كــان غرضه من النضـال, بل جعلوه عليه السلام محلاً للصــراع على الحُكم ونموذجاً لمقارعة أصحاب السلطـان حتى أنزلوه منزلة المُصارع لأهل الدُنيا على جيفتهم التي يتهــارشون عليها, وما كان الله ليَقتُل اولايئه مـن أجل دنياً لا تسـاوي عنده جناحَ بعوضة, وجعلوه آخرين حلقةً في مرحلياتٍ ساذجة لــم تستطع تفسير بقية الحلقــات ولا تفسير إبعاد الأئمة عليهم الســلام عن مناصبهم في أي مرحلــةٍ من المراحل وكــانت هذه المرحليات تبوءُ بالفشل دائماً ومن غير تحديدٍ لموضع الخلل.
إن قضية الحســـين عليه الســـلام يجب أن توضع في إطارها الصحيح كونها إمتداداً لخط النبوة والإمامة وإقــامة الحُجة على الخلق والإمتداد الكوني للنبوات, فهــو عليه السلام الحُجــةُ على الخلق واللطف اللازم للوجود ومـا قتله عليه السلام إلا إمتدادٌ لقتل هابيل والسعــي لقتل إبراهيم الخليـــل بإلقائه في النـار العظيمـة التي جعلها الله بـرداً وسلامـا, وعقر ناقة صـالح وملاحقة فــرعون لموسـى طلباً لقتله وتجرأ اليهــود على قتل المسيح عيسى إبـن مريم فهم وإن لم يقتلـوه في الواقع لكنهم تجرئوا على الإقدام على هذا الفِعل وقتلــوا شخصـاً يظنونه عيسى إبـن مريم, وإمتدادٌ لسعي قريش لقتـل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على فِراشه حتى أخرجه الله وفـداه أميرُ المؤمنين عليه الســلام بنفسه, وكـذلك قتلُ الحسين عليه السلام إمتــدادٌ لقتل الأنبيـاء الكثيرين الذين قلتوهم أقوامهم حربــاً علـــى الله وكُفراً به وقتلاً للأنبياء والأولياء بغيــر حقٍ كما وصف القــرآن الكريم, فإن هذه الأمة التي تجنـدت لقتـال أولاد الأنبياء حنقاً عليهم وتقليداً للأُمـم السابقة وإتباعاً لهم حذو النعل بالنعل والقذةِ بالقـذة حتى أنهم "لو دخلوا جِحر ضبٍ لدخلتموه" كما هو الحديث النبوي الشريف.
لقــد كانت قضية الحسـين عليه السلام عند فقيدنا من أجـل الحسين عليــه السـلام وخِدمةً له وليس إستخدامـاً لقضية الحسيــن من أجل منفعةٍ ماديةٍ مؤقتــة أو مكسبٍ لا يُساوي عند الله شيئا, بل كـان قتله إمتداداً لمــا فعلته الأمـــم بأنبيائهــا وأوصيائها, وكــم سمعتم منه قولــه: "إن قتلة الحســين عليه الســلام لو ظفروا برسـول الله صلى الله عليــه وآله لقتلوه, لكنهم لمَــا لم يحصـل لهم ذلك إنتقموا منه في بنيه الأدنين يومَ الطف"؟, هكــذا كـانت قضية الحسين, وهكـذا يجبُ أن يُنظر إليها بصورتها العُليا وإرتباطها بدينِ الله.
إن قضية الحســين عليه السلام هي الغاية في خِطابته وليسـت الوسيلة, وكـان رحمه الله مثالاً لمن يؤتمن على قضية الحســين, لا يُتاجـر بهــا ولا يوضفها لأغراضٍ ترويجية, وإن فقـد مثله في هذا الزمــان السيء ليُحدثُ شرخــاً كبيراً فينا ويوجِدُ ثغرةً وثَلمة لا تُسد لأننا بأشد الحــاجة إلى أمثاله الذين يحملون العقيـدة النقية وينقلونها إلى الأجيــال اللاحقة من غيرِ تشويهٍ ولا توضيف, فإننــا في زمــن العولمة قد فقدنا سُبل السيطـرة على الأفكار الواردة إلينا وسُبل تربية أبنائنـــا فصـــار يُشاركنا فيهم القنــوات الفضــائية والمدرسة والإنترنت والصحـافة ووسائل التلفونــات, فإذا فقدنـا مع هذا البلاء منابع الفِكر الأصيـل وموارد التربية وحملة العقيدة النقية فإن لذلك تأثيــراً كبيراً علــى حياتنـــا وعقيدتنا, وحسبك أن تجــد من التخرصات والعبث بالدين أن يكتب شخصــاً في مجلــة دينية يدعو فيه إلى ترك تقديـس شخصية النبي صلى الله عليه وآله لشخصه وتـرك تقديس الحســين لشخصه ويدعو بدل من ذلك إلى تقديــس منصب النبـوة أو تقديس منصب الإمــامة ولا يجوز في رأيه أن يُقـدس النبي صلى الله عليه وآله وكـــأن النبي صلى الله عليه وآله ينفصل عنده عن النبـوة أو أن النبوة تنفصل عنه, وكذلك الإمامة, وهذا كلـه بمسمعٍ ومنظرٍ من هذا المجتمع الذي صـار يتحمل وِزر كل ما يُقال صامتاً او راضيـا حتى أنهكت دينه البِدع والخرافات ما بين سفـارةٍ عن الإمام وبين دعــواتٍ أخرى لا تجد مـن يقارعها مما يجعلنـا ونحن نؤبـــن فقيدنا نشعرُ بالغبن لفقده, فإنــا لله وإنا إليه راجعون ورحمك الله يا أبـا جاسم خطيبــاً بارعــا, وأبا ناصحا, وواعظاً صادقــا, آمرا بالمعروف وناهياً عن المنكر ورحــم الله من يقرأ لروحه الفاتحة.