** كلمة: سماحة العلامة الشيخ عيسى الخاقاني **


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمــد لله رب العالمـين, بارىء الخــلائق أجمعين, الصـلاة والسلام علـى المبعوث رحمةً للعـالمين, سيد الأولــين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلـين, الرسول المسدد والمحمــود الأحمــد الذي سُمي في السمــاء بأحمـد وفي الأرض بأبي القـاسم محمد, وعلى أهل بيته الطيبـين الطـاهرين الهُـــداة المهديين المُبلغين لرسالات رب العـالمين صلاةً كثيـــــرةً دائمةً إلى قيام يوم الدين.

السلام عليكم أيها المحفل الكريم ورحمة الله وبركاته.

إنها فــرصةٌ حزينةٌ وهي فرصة اللقــاء بكم والحزن على وجوهكم بادٍ لفقيد المنبر الحسيني الشيـخ حسن زين الدين تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته مع النبي وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

قــال الله سبحانه تعالى في مُحكم كتـابه الكريم وقرآنه العظيــم: أعوذ بـالله من الشيطان الرجيم (الَّذِيـــنَ يُبَلِّغُونَ رِسَـــــالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً)(الأحزاب:39) صــــدق الله العلي العظيم. التبليـغ أيها السادة الكرام فريضةٌ في دين الإسـلام, فريضةٌ على الرجال الرساليين الذين يُبَلِغون رسـالات الله, ومعنى ذلك أنها إبلاغٌ لأحكام الله سبحـانه وتعالى وإبلاغ الحكم إلى النــاس أمرٌ واجـب على مـن أوجب الله عليه ذلك وهـــي _ التبليغات_ مظهرٌ مـن مظاهر المسئولية, "كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته", وفق الشروط التي وضعها الشارع المُقدس في هذا المجال, والتبليغ أيها السادة إما أن يكون بالقَلَم أو بالكَلِم, والتبليغ بالقَلَم عظيمٌ جداً

 عند الله إما بالتأليف أوالنشر أوالتصنيف فقد ورد أن مِدادَ العُلماء أفضـل من دِماء الشُهـداء, وكم أثر كتابٌ في أُمةٍ بل كم أثــــرت كلمةٌ ومقالةٌ في فئةٍ من الناس فأنقذتها من الظلمات إلى النور, لذى أقسَمَ الله سبحانه وتعال بالقـــلم فقال: (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (القلم:1), أقسَمَ بالقلم لأن القلم مُعجزةٌ إلهية, في القلم تُكشَفُ الحقائق وتـُرى النوايــا ويُنشَرُ العِلـم وتُبَـثُ الفضيلة, فالقلم مكرُمةٌ إلهيةٌ تفضلَ بها ربُنـا سبحانه وتعالى على النوعِ البشــــــــري, فليسَ هنـاك مِن مخلوقٍ يُمارس مهنةَ القلم إلا هذا الإنسان, الملائكةُ لا يكتبون والجِنُ لا يَسطِرون, فالقلم مخصوصٌ بالإنسـان, وكم رأُفَ القلم من حكمةٍ, وكـم كَتَبَ من فضيلةٍ, ومـا إنتشرَ الإسلامُ إنتشــاراً واسعاً إلا وللقلـم له فيه أثرٌ كبير.والعِلـم والوعظ أيضـاً يكون باللسـان وبالخِطب والإرشاد والإنذار كما قال الله سبحــــــانه: (يَــا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ) (المدثر:1-2), والإنـذارُ هنا باللسـان واللسـان أيضاً معجزةٌ من الله كَــرَمَ بها الإنسان, (الرَّحْــمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَـقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن:1-4), فالبيان واللسان نعمةٌ من نِعمِ الله جـل جلاله وأولُ أمـرٍ بعد تلقي النبوة هو الأمــرُ برسالة اللسان (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ) (المدثر:1-2), وآخـــر رسالةٍ أُمرَ بها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هـــو الإبلاغ باللسان, (يَا أَيُّهَـــا الرَّسُولُ...) _بــين البـلاغ والإبلاغ ترابطٌ, لم يقل "يا أيها النبي" بل قال "يا أيها الرسول"_ (يـا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مــــــــَا أُنْزِلَ إِلَيْــكَ مِنْ رَبِّــكَ) (المائدة: من الآية67), وما أُنزل إليه إلا أن يُبلغ, إلا مـن  الرسالة, والرسـالة اللسانية _أي الخطـابة_ لها أهميةٌ كُبرى بحيث أصبحت توأماً مــع أعظم فريضةٍ إفترضها الله على المسلمين ألا وهـــي الصلاة, فالله جل جلاله في شريعة النبي صلى الله عليه وآله قد جعل خطبتين, خطبتي الجُمعة مكان ركعتــين من الصلاة, إنظر إلى أهمية الخُطبة وإلى أهمية البــــــلاغ والتبليغ, ففرض الله جل وعلا على المسلمين أن يكون فيهم إمامٌ يُبَلِغهم كل اسبوعٍ بخطبتين, لابـــــد لك أن تتوضـأ من أجل الإستماع إليهما وأن تستقبـل القِبلـة عند الإستماع إليهما ويحـرُمُ أن تتكلم بكلامِ الدُنيــا عندما تسمع كلام المُبلِغ, وكذلـك فرضَ خطبتين لصلاة عيد الفطر وخطبتين لعيــــــــد الأضحى بموسمٍ سنويٍ محليٍ عظيم, وكــذلك سـن خطبتين يوم عـــرفة بمؤتمرٍ عالمي كبير يضمُ اغلب المسلمـين في مـوسم الحج, هذا بالنسبة إلى الوعظ الإسلامي العام.

وهناك وعـــظٌ خاصٌ هــو (المِنبَرُ الحُسَيــــنِي), فقــد إنبثق المِنبـر الحسيني عند الطـائفة الشيعية,  عند الإمامية بعد المصيبة الكبرى التي حلت بالمسلمين من إستشهــاد سيدِ الشُهداء, أبِّيِ الظيم,الحسـين بن علي عليه السـلام, إنبثق نَوعٌ من الخطابة سُميَ بالخطـاب الحسيني, فالمنبـر الحسيني قفزةٌ في عالم الخطابة ودعــــوة كُبرى إلى التبليغ لرسـالات الله سبحانه وتعالى.

إن المنبر الحسيني أيهـا السادة المؤمنون تقدم شوطــاً كبيراً في إنجاز المهمة الإسلامية وفي نشر الخِطاب الديني إلى البشر وفي إنتشار المذهب, فإن المذهب مـا انتشر هذا الإنتشـار الواسع بعدمـا كان يحمله بعد مقتل الحسين رجـــالٌ لا يبلغون المائة بل أقل من المائة وانتشر حتى وصـل المعتقـــدون بمذهب أهـل البيت الملايين في زماننا هذا وكل ذلك بفضـل جَنـاحين إثنين, الجَناح الأولُ جَناح الفقهاء والعلماء والجَنـاح الآخر هو جَنـاح الخطبـاء الحسينيـين, والسبب في إنتشار الدعوة الحقة بوساطة المنبر الحسيني هو أن المنبر الحسيني قد ركـبَ موجة العاطفة _العاطفة المشبوبة_ وأشعلها بنـار الغضب على الظلم وعبئها بالفكر, فإن العـاطفة مالم تٌعبأ بالفكر تُصبح لا فائدة فيهـا, العاطفة المشبوبة ضيقة الخناق والإنسان لابد أن يتحـرك نحـو الهدف ونحو الوصــول إلى درجات الرُقي بالفكـر وبالعاطفة, لا بالعاطفة وحدهـا ولا بالفكر الجاف, فالمنبـــر الحسيني جعل الحُزن والدمعة تُثير الإنتباه للواقعة لمــن رأى, مثلاً لو جائت أُمةٌ فرأت هذه الطائفة تبكي وتبكي وتبكي, يقع سؤالٌ وتساؤل: لماذا يبكي هؤلاء؟, مـا هذه الشعائر الكبيرة؟, لماذا هذا البذل العظيم؟, ما هذا الحُزن والكآبة؟, ماذا جرى على هذه الفئة من النـاس؟, يُقال لهم إن الظالمين قتلوا إمامهم, من إمامهم؟, إمامهم هو إبن نبي هذه الأُمة, من قتله؟, قتلته هـــــذه الأمة وهي تزعم أنها من أُمة جده وترجـو شفاعته _لا انالهم الله شفاعته_, السؤال الآخر: ولماذا قتلـت هذه الأُمةُ إبن بنت نبيها؟,الجـواب: لأنه ما قبل الظلم وما قبل أن يُمَثِـــلَ الله شيطـانٌ رجيـم, وأن يُمَثِلَ رسول الله جاهلــيٌ لئيم, وأن يُمَثِلَ شرعَ  الله رجـلٌ نزِقٌ تشربت النصرانية به فصار شارباً للخمر ولاعباً مع الكِلاب والفهـود والقرود, إن إمام هؤلاء قام ضد إنســـانٍ يُمثل النبي  وهـو لا يؤمـن بالنبي, يُمثـل الإسـلام وهو لا يعتقد بـالإسلام, يهزأ بالقرآن, يستشهد بقول الكـافر الذي كان إسمه علـى إسمه في يوم أُحد فيستشهد بمـلأٍ من النــاس  ويقول: (لعِبـت هاشِمُ بالمُلكِ • فلا خبرٌ جـــاءَ ولا وحيٌ نـزل),ويقول: "يومٌ بيومِ بدر" بمعنى انه قتـل الحسين بن رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلــم من أجل أبي جهل, ثأراً لأبي جهـل وثأراً للوليد وأتباعهما من أرباب الجاهلية الجهـلاء, فحينئذِ تكـون هذه الحركـة الحزينة المُعبئة بـالفِكر والإيمان والعِلـم مدعاتاً للتسائـل من الآخرين المُوجب للبحث في هذه القضية ثم إعتنـاق هذه القضية, وهـذا هـو السبب الذي جَعلَ منبـر الحسين عليه الصلاة والســـلام أداة إعلامٍ كُـبرى لنشر الحق ونشر الفضيلة ولذى فعلى الخطيـب الحسيني مسؤوليةٍ كُبرى بأن يكون عمله أولاً خالصاً لله سبحانه وتعالى لأننا إستشهدنا بقوله  تعـالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَـالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَـــوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) (الأحزاب:39) إذا فالخوف فقط من الله والأمر بالمعروف والنهي عـــن المُنكر لا يقربان أجلا, إذاً فعلـى الخطيـب أن يُبَلـِــغ رسالات الله, أن يخشى الله وأن لا يخافَ احداً إلا الله كما أوصت الآية الكريمة, (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً), فهو الحسيبُ وهو المراقبُ وهو الناصِر (وَكَانَ حَقّـاً عَلَيْنَا نَصْـرُ الْمُؤْمِنِــــينَ)(الروم: من الآية47), إذاً فالدمعةُ والحــزن وسيلتــان لنشر هذه الدعوة فهــذه الدعـــوة نُشرت بالدمعة والحسين أروحنا فِداه وصلـوات الله عليه هو قتيل العَبرَة كما أنه قتيلُ العِبرَة.

وإن فقيدنا العزيز (حشــره الله مـع سيده الحسين) إن شاء الله من خطباء المنبر الحسيني اللامعين الذي تمَحَضَ (رضي الله عنه) بعمله للحسـين وللحسين وللحسين فقط, يرحمـه الله ولروحـه ولأرواح كـل المخلصين رحم الله من قــرأ الفاتحة مع الصلوات, والسلامُ عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.